السيد علي الطباطبائي

403

رياض المسائل ( ط . ق )

لا يحلف أحد عند قبر النبي ص على أقل مما يجب فيه القطع قالوا ولو امتنع الحالف من الإجابة إلى التغليظ لم يجبر ولم يتحقق بامتناعه نكول لما مر من أن من حلف له بالله فليرض والظاهر من النص والفتوى اختصاص استحباب التغليظ في حق الحاكم دون الحالف بل التخفيف في جانبه أولى لأن اليمين مطلقا مرغوب عنها فكلما خففت كان أولى وفي الخبر إذا ادعي عليك مال ولم يكن له عليك بينة فأراد أن يحلفك فإن بلغ مقدرا ثلاثين درهما فأعطه ولا تحلف وإن كان أكثر من ذلك فاحلف ولا تعطه وفي آخر حدثني أبو جعفر ع أن أباه كانت عنده امرأة من الخوارج إلى أن قال فقضى لأبي أنه طلقها فادعت عليه صداقها فجاءت به إلى أمير المدينة تستعديه فقال له أمير المدينة يا علي إما أن تحلف وإما أن تعطيها فقال يا بني قم فأعطها أربعمائة دينار فقلت له يا أبة جعلت فداك ألست محقا قال بلى يا بنى ولكني أجللت اللَّه تعالى أن أحلف يمين صبر [ ويحلف الأخرس بالإشارة ] ويحلف الأخرس بالإشارة المفهمة لليمين على الأشهر المصرح به في كلام جمع كالمهذب والتنقيح وشرح الشرائع للصيمري والمسالك والكفاية وغيرها من كتب الجماعة فاختاروه أيضا معللين بأن الشارع أقام إشارته مقام تلفظه في سائر أموره وقيل كما عن الشيخ في النهاية إنه يوضع يده مع ذلك على اسم اللَّه سبحانه في المصحف إن حضر وإن لم يحضر فعلى اسمه المطلق ومستنده مع شذوذه ومخالفة الأصل وما دل على قيام إشارته مطلقا مقام تلفظه غير واضح وقيل كما عن ابن حمزة خاصة أنه يكتب اليمين في لوح ويغسل ويؤمر بشربه بعد إعلامه فإن شرب كان حالفا وإن امتنع ألزم الحق للصحيح عن الأخرس كيف يحلف إذا ادعي عليه دين ولم يكن للمدعي بينة فقال قال أمير المؤمنين ع لما ادعي عنده على أخرس من غير بينة الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بنيت للأمة جميع ما تحتاج إليه ثم قال ائتوني بمصحف فأتى به فقال للأخرس ما هذا فرفع رأسه إلى السماء وأشار أنه كتاب اللَّه عز وجل قال ائتوني بوليه فأتي بأخ له وأقعده إلى جنبه ثم قال يا قنبر علي بدواة وصحيفة فأتاه بهما ثم قال لأخ الأخرس قل لأخيك هذا بينك وبينه إنه علي ع فتقدم إليه بذلك ثم كتب أمير المؤمنين ع واللَّه الذي إلى آخر ما مر في كيفية اليمين المغلظة أن فلان بن فلان المدعي ليس له قبل فلان بن فلان يعني الأخرس حق ولا طلبة بوجه من الوجوه ولا سبب من الأسباب ثم غسله وأمر الأخرس أن يشربه فامتنع فألزمه الدين ونفى عنه البعد الفاضل المقداد في شرح الكتاب قال فإن الإشارة لا تنافيه بل هذا من أحد جزئياتها وفيه بعد تسليم كونه أحد جزئياتها أن ظاهر هذا القول المحكي في العبارة وما ضاهاها من عبائر الجماعة تعين إحلافه بعين ما في العبارة وأما نفي البعد عنه إنما هو جوازه من حيث كونه أحد أفراد الإشارة لا تعينه ولعله لا خلاف فيه إن صح الفردية نعم ما ذكره من الجواز وعدم التعين صريح عبارة ابن حمزة المحكية في كلام جماعة ومنهم فخر الدين في الإيضاح فإنه قال في وسيلته إذا توجه على الأخرس وضع يده على المصحف وعرفه حكمها وحلفه بالأسماء أي أسماء اللَّه تعالى قال فإن كتب اليمين على لوح ثم غسلها وجمع الماء في شيء وأمره أن يشربه جاز فإن شرب فقد حلف وإن أبى فقد ألزمه ومنه يظهر فساد نسبة القول بتعين ما في العبارة إليه إلا أن يكون المراد من النسبة نسبة الجواز لا التعين وعليه يكون مذهب المشهور عدم جوازه ولعله لمنع كونه من أفراد الإشارة فلا يمكن تجويزه من جهتها ولا من جهة الصحيحة لكونها قضية في واقعة فلا تكون عامة واحتمال كون الحلف فيها بشرب المكتوب بعد الحلف بالإشارة ويكون ذلك من باب التغليظ كما فعله ع في يمين المكتوبة وبالجملة الخروج عن الأصل الدال على القول الأول المعتضد بعمل الأكثر بل عامة من تأخر حتى الفاضل المقداد لتجويز ما في الرواية زعما منه كونه أحد أفراد الإشارة فيكون ذلك اتفاقا منه ومنهم على أنها المعتبر في إحلافه خاصة مشكل غايته والأحوط الجمع بينهما إن رضي الأخرس بإحلافه بما في الرواية وإلا فالإشارة متعينة [ القول في عدم إحلاف الحاكم أحدا إلا في مجلس قضائه ] واعلم أنه لا يجوز أن يحلف الحاكم أحدا إلا في مجلس قضائه أي مجلس حضوره مع إذنه بلا خلاف بل ظاهرهم الإجماع عليه كما يستفاد من كثير ومنهم المقدس الأردبيلي ره في شرح القواعد وصاحب الكفاية وهو الحجة مضافا إلى أصالة عدم لزوم ما يترتب على الحلف من سقوط الحق أو لزومه بمجرده فيقتصر فيما خالفها على المتيقن من النص والفتوى وليس إلا بعد ذلك وأما النصوص الدالة على لزومه به فلا عموم فيه يمكن التشبث بذيله لإثبات اللزوم بالحلف مطلقا وإنما غايتها الإطلاق الغير المنصرف إلى الحلف بغير الحكم وإذنه لكونها منساقة لبيان أحكام أخر غير ما يراد إثباته من الإطلاق في محل البحث وأمثاله مضافا إلى أن الغالب في الحلف في مقام الدعاوي التي هي موردها كونه بحضور الحاكم وإذنه وإلى بعض ما ذكرناه وغيره يشير كلام المقدس الأردبيلي ره حيث قال في بيان دليل الحكم ولعله أنه من تتمة الحكم ولا حكم لغيره إذ هو العالم بالكيفية لا غير أو الإجماع أو تبادر ذلك إلى الفهم من الاستحلاف في الروايات والعبارات وبالجملة قد تقرر عندهم عدم جواز الإحلاف لغير الحاكم مطلقا إلا أن يكون المستحلف معذورا عذرا شرعيا كالمريض والزمن اللذين لا يمكنهما أو يشق عليهما الحضور إلى الحاكم والخائف من العدو ونحو ذلك أو كان امرأة غير برزة أي مخدرة ليس من عادتها وشأنها لبروز والتردد إلى أنديه الرجال والحكام ويكون ذلك نقصا في حقها وعيبا عليها أو حائضا أو نفساء أو مستحاضة لا تأمن تلوث المسجد بنجاستها مع كون الحاكم فيه أو احتياج إلى التغليظ فيه وبالجملة كل معذور شرعا يجوز له معه التخلف عن الحلف عند الحاكم ويستنيب الحاكم حينئذ من يحلفه في موضعه بلا خلاف لاستلزام الحضور مع ذلك العسر والحرج المنفيين عقلا وشرعا وليس في شيء من الفتاوى التي وقفت عليها اعتبار مباشرة الحاكم الإحلاف بنفسه ولو بالمسير إليه مطلقا ولو لم يكن السير إليه نقصا له ومسقطا لمحله عند الناس واحتمل بعض الأصحاب ذلك إلا مع استلزامه النقص على الحاكم وليس في محله إذ مع مخالفته لإطلاق الفتاوى يوجب فتح بابه إلقاء الحاكم في ضيق وشدة منفية في الشريعة مع عدم كونه معهودا في الأعصار السابقة واللاحقة عند أحد من حكام الخاصة والعامة وإلا لاشتهر اشتهار الشمس واتضح غايته [ ولا يحلف المنكر إلا على القطع ] ولا يحلف المنكر على نفي ما ادعي عليه مطلقا إلا على القطع والجزم به ويحلف كذلك أيضا على فعل غيره إن كان على إثبات ولو كان